أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

202

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

: « وَلا تَتَّبِعُوا » بدل : « وَلا تُسْرِفُوا » ، لأن « كُلُوا » الذي يليه ، « وَلا تُسْرِفُوا » ليس منصبا على هذا ، لأنه بعيد منه ، ولأن بعده ما هو أولى منه بالعمل ، ويحتمل أن يكون الناسخ غلط عليه ، وإنما قال هو : « وَلا تَتَّبِعُوا » ، ويدل على ذلك أنه قال : تقديره : كلوا ممّا رزقكم اللّه ، و « كُلُوا » الأول ليس بعده : ممّا رزقكم ، إنّما هو بعد الثاني . الثالث : أنه عطف على « جَنَّاتٍ » ، أي : أنشأ جنّات وأنشأ ثمانية أزواج ، ثم حذف الفعل وحرف العطف وهو مذهب الكسائي . قال أبو البقاء : « وهو ضعيف » . قلت : الأمر كذلك ، وقد سمع ذلك في كلامهم نثرا ونظما ، ففي النثر قولهم : « أكلت لحما سمكا تمرا » ، وفي نظمهم قول الشاعر : 2116 - كيف أصبحت ، كيف أمسيت ممّا * يزرع الودّ في فؤاد الكريم « 1 » أي : أكلت لحما وسمكا وتمرا ، وكيف أصبحت وكيف أمسيت ، وهذا على أحد القولين في ذلك ، والقول الثاني : أنه بدل بداء ، ومنه الحديث : « إنّ الرجل ليصلي الصلاة وما كتب له نصفها ثلثها ربعها . . . إلى أن وصل إلى العشر . الرابع : أنه منصوب بفعل محذوف مدلول عليه بما في اللفظ ، تقديره : « كلوا ثمانية أزواج ، وهذا أضعف مما قبله . الخامس : أنه منصوب على الحال ، تقديره : مختلفة أو متعددة ، وصاحب الحال « الْأَنْعامِ » ، فالعامل في الحال ما تعلق به الجار ، وهو « مِنَ » . السادس : أنه منصوب على البدل من محل « مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » . قوله : مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ في نصب « اثْنَيْنِ » وجهان : أحدهما : أنه بدل من « ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ » ، وهو ظاهر قول الزمخشري ، فإنه قال : والدليل عليه « ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ » ، ثم فسّرها بقوله : مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ . . . الآية . وبه صرّح أبو البقاء ، فقال : و « اثْنَيْنِ » بدل من « الثمانية » ، وقد عطف عليه بقية الثمانية . والثاني : أنه منصوب ب « أنشأ » مقدرا ، وهو قول الفارسي ، و « من تتعلق بما نصب « اثْنَيْنِ » . والجمهور على تسكين همزة « الضَّأْنِ » ، وهو جمع : ضائن وضائنة ، ك « تاجر وتاجرة وتجر ، وصاحب وصاحبة وصحب ، وراكب وراكبة وركب . وقرأ الحسن وطلحة بن مصرّف وعيسى بن عمر : « الضّأن » بفتحها ، وهو إمّا جمع تكسير ل « ضائن » ، كما يقال : خادم وخدم ، وحارس وحرس ، وطالب وطلب ، وإمّا اسم جمع . ويجمع « الضَّأْنِ » على « ضئين » ، كما يقال : كلب وكليب ، قال : 2117 - . . . * فبذّت نبلهم وكليب « 2 » « وقيل : الضّئين والكليب اسما جمع . ويقال : ضئين ، بكسر الضاد ، وكأنها اتباع لكسر الهمزة ، نحو : بعير

--> ( 1 ) انظر الخصائص ( 1 / 290 ) ، الهمع ( 2 / 140 ) ، الدرر ( 2 / 193 ) ، ديوان المعاني ( 2 / 225 ) . ( 2 ) جزء بيت لعلقمة بن عبدة الفحل وهو بتمامه : تعفّق للأرطى لها وأرادها * رجال . . . وقد تقدم .